التحكيم بين الواقع والمأمول
16 أغسطس 2026إن العدالة ليست قالباً جامداً، بل هي غاية تتطلب أدوات مرنة تتكيف مع تعقيدات العصر، ومن هنا يبرز التحكيم ليس بوصفه مجرد قضاء بديل يلجأ إليه الناس عند الحاجة، بل كضرورة حضارية تتمثل في أهمية وجود "قضاء خاص" قائم بذاته، يمتلك من الخصائص المنفردة والمزايا المستقلة ما يجعله قادراً على تلبية احتياجات الخصوم بدقة واحترافية لا تتوفر في سواها. إن التحكيم في جوهره هو تجسيد لإرادة الأطراف في البحث عن عدالة نوعية، تفهم لغة التجارة، وتستوعب تعقيدات الهندسة، وتحترم خصوصية النزاع، مما يجعله ركيزة أساسية في بنية القضاء المعاصر التي تسعى لتحقيق الاستقرار القانوني والاقتصادي. يمتلك التحكيم أدوات مرنة ومزايا يمكنها أن تصنع فارقاً في ميزان العدالة، فالخبرة والتخصص يمثلان حجر الزاوية في قوته، ففي النزاعات المعقدة على سبيل المثال، من الممكن أن تضم هيئة التحكيم بالإضافة إلى الخبرة القانونية خبراء يمتلكون المعرفة العميقة بموضوع النزاع، سواء كان هندسياً، محاسبياً، تجارياً، أو عقارياً، مما يمنح الهيئة قدرة استثنائية على فهم واقعة الدعوى وأبعادها العميقة، مما يعين على استيعاب ملف القضية ومستنداتها بصورة تخصصية دقيقة. ويرافق خبرة المحكم وتخصصه ميزة جوهرية أخرى وهي تفرغه لنظر قضية واحدة أو قضايا محدودة دون أن يكون كاهله مثقلاً بأعباء القضايا المتراكمة، مما يمنحه سعة من الوقت والجهد للإحاطة التامة بالقضية ومنحها ما تستحقه من إتقان. ينتج عن هذا المزيج بين التخصص والخبرة والتفرغ مخرجات ذات جودة عالية، تتجلى في حسن إدارة الدعوى وتوجيه الأدلة، وصولاً إلى أحكام تمتاز بجمال الصياغة ودقة التسبيب. وبالتالي تتحقق العدالة الناجزة التي ينشدها الجميع؛ حيث غالباً ما تطوى صفحة النزاع في مدة لا تتجاوز التسعة أشهر أو السنة في أقصى الحالات، ليصدر حكم نهائي يحسم الخصومة ولا يقبل الطعن إلا عبر دعوى البطلان. ولأجل ذلك؛ شهدنا تطوراً تصاعدياً في الإقبال على التحكيم وتضمينه كخيار أساسي في العقود التجارية. ورغم هذا الإقبال المتزايد، إلا أن الارتقاء بمنظومة التحكيم يتطلب رصداً فاعلاً لمعوقاته وتطويراً مستمراً لممارساته، وهو الأمر الذي عني به مجلس الوزراء مشكوراً حين وجه الجهات المعنية إلى تقييم وتطوير منظومة التحكيم في المملكة لتنظيم هذا القطاع المهم. فقد اشتمل هذا التوجيه الكريم على مراجعة نظام التحكيم ولائحته التنفيذية، دراسة تخصيص دوائر قضائية متخصصة للنظر في القضايا التحكيمية، تطوير وتدريب القضاة في مجال التحكيم وتعزيز نقل الخبرات التحكيمية، وغير ذلك من التوجيهات التي من شأنها رسم ملامح واضحة في عملية تطوير قطاع التحكيم في المملكة. وفي هذا السياق، من المهم تناول بعض التحديات والعوائق الموجودة في واقع التحكيم الحالي. تأتي في طليعتها غياب المرجعية المؤسسية الواضحة؛ فبينما يتمتع القضاء التقليدي بمجلس أعلى ووزارة تدير شؤونه، يفتقر التحكيم لمنظومة تراقب الأخطاء والمخالفات وتسعى لتطوير أدواته وممارساته بشكل مستمر، خاصة في ظل ضعف الإقبال على مراكز التحكيم التي يمكن أن تلعب دوراً جوهرياً في ضبط وإدارة العملية التحكيمية. هذا الواقع يثير التساؤل حول ضرورة أن يشمل تطوير منظومة التحكيم تبني مرجعية نظامية تولي مراكز التحكيم درواً أكثر شمولاً في إحالة القضايا التحكيمية وإدارتها وضبطها، وتفعيل سلطات للمحكمين تضمن تنفيذ قراراتهم التحكيمية وأحكامهم النهائية، وتمتلك قاعدة بيانات شاملة لتوثيق الجلسات والقضايا وأحكامها. من الناحية العملية، تبرز بعض التحديات التي تواجه الممارسة العملية للتحكيم والتي تتطلب سد بعض الفراغات التشريعية في نظام التحكيم الحالي. من أبرز ذلك عدم وجود مسارات واضحة تنظم الإجراءات المتعلقة بالطلبات التحفظية والاحترازية والتي قد ينتهي بها المطاف في قنوات مطولة ينتج عنها تأخير في العملية التحكيمية. أيضاً، يبرز تحدي غياب مسار واضح لآلية نظر النزاع التحكيمي في حال قبول دعوى البطلان وتأييدها من المحكمة العليا، فيؤول أطراف النزاع إلى "مربع الصفر"، مما يهدر الوقت والجهد والمال المبذول. من جهة أخرى، تبزر بعض التحديات المرتبطة بممارسي العملية التحكيمية، مثل المخاوف المتعلقة بحياد بعض المحكمين وتحيزهم لمن اختارهم، نقص التأهيل المهني والقانوني لدى بعض المحكمين غير القانونيين، ويضاف إلى ذلك العبء المادي الناتج عن ارتفاع تكلفة أتعاب المحكمين. ولذلك؛ فإن وضع سقف أعلى للأتعاب لضمان عدم المبالغة، وإلزام كافة المحكمين بالالتحاق بدورات قانونية متخصصة ترفع من كفاءتهم المهنية قد يكون ضرورياً للتغلب على هذه التحديات. إن تطوير منظومة التحكيم يتطلب عقد حوارات مفتوحة وورش عمل تجمع المسؤولين بالممارسين لرصد الملحوظات الميدانية، واتخاذ التوصيات التشريعية، واقتراح المشاريع التطويرية. هذه الخطوات كفيلة بالحفاظ على التحكيم وتعزيز دوره كأداة قوية وفعالة تحقق العدالة وتدعم النمو الاقتصادي.