التحكيم ليس بديلاً... بل هو الأصل
17 سبتمبر 2026أعالج هذه الأيام -بطريق الصدفة- عدة "وقائع" مجتمعة تتعلق ببضع عشرة قضية تحكيم، حكماً ومحتكماً، بالإضافة إلى مسائل أخرى تتعلق بمؤسسات تحكيمية، وتقييم محكمين، وتدريس مواد جامعية تتعلق بـ"الوسائل البديلة لفض المنازعات" وغير ذلك.. وقد أثار عنوان المادة التدريسية تساؤلاً يتبادر للذهن كلما قرأت أو سمعت عبارة «التحكيم وسيلة بديلة لحل المنازعات» توقفت متسائلاً: بديلة عن ماذا؟ هل كان اللجوء للقضاء كسلطة منصبة من الدولة أصلاً هو الأصل في تاريخ البشرية، ثم جاءت تلك الوسائل "التحكيم، الصلح، التسوية، التوفيق، الوساطة.." وهلمّ جرّا بديلاً عنه؟ يبدو أن وصف التحكيم -بالذات- بأنه "وسيلة بديلة" يحتاج إلى مراجعة؛ لأن هذا الوصف قد يقبل تجوّزاً، لكنه لا يعكس تاريخ العدالة، ولا طبيعة العلاقات البشرية التي تبنى على التوازن، ولا المنهج الشرعي في إنهاء الخصومات. فالأصل أن الناس يؤدون ما عليهم من واجبات ويستوفون ما لهم من حقوق بمجرد وجود مبررها، وإن كان هذا الأصل "أفلاطوني" التصور باعتبار أن الطبيعة البشرية تبنى على المشاحّة، لكن المراد من هذا الافتراض أن اللجوء للسلطة لم يكن الحل الأول لاستيفاء الحقوق، كما أن اللجوء لاستعباد المدين في بعض الثقافات البائدة لم يكن الحل المفترض، إلا أن بعضاً من التفكير المتعجرف قد يصور للشخص أن المدين يستحق ذلك لعدم الوفاء بدينه. فالإنسان عندما عرف النزاع كان يفكر في إنهائه بأقل قدر ممكن من الخسائر، فيبدأ بالحوار، ثم بالصلح، ثم بعد ذلك يلجأ المتخاصمون إلى من يثقون بعقله وعدله وخبرته، فيحتكمون إليه طواعية وينفذون حكمه، وبغض النظر عن فوضوية تلكم المرحلة وغرابة بعض الأحكام؛ إلا أنها في الواقع كانت تنهي الخصومات، وكانت الجماعات البشرية تمارس هذا السلوك بصورة شائعة، بهدف المحافظة على العلاقات الاجتماعية التي كانت أهم من الانتصار في الخصومة. ومن هنا فإن التحكيم لم ينشأ بوصفه استثناءً على القضاء، وإنما كان القضاء أحد سلطات الدولة المدنية، حين احتاجت إلى إيجاد سلطة الفصل بين الناس حمايةً للنظام العام، ومنعاً للفوضى، وحسماً للنزاعات التي لم يعد المجتمع قادراً على إنهائها بنفسه. ولذلك فإن القضاء يمثل تطوراً مؤسسياً مهماً في إدارة العدالة، لكنه لم يكن البداية التاريخية لها. ولهذا لم يجعل الإسلام القضاء هو الطريق الطبيعي لاستيفاء الحقوق، وإنما جعله علاجاً عند تعذر الوفاء بها. فالقرآن الكريم لم يأمر الناس أن يرفعوا حقوقهم إلى القضاء، وإنما أمرهم أن يؤدوها ابتداءً، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. فالوفاء هو الأصل، والخصومة هي الاستثناء، والقضاء ليس منشئاً للحق، وإنما هو وسيلة لتصحيح المراكز القانونية وإلزام الممتنع بأداء ما كان يجب عليه أداؤه ابتداءً. ولذلك أيضاً لم يكن غريباً أن يجعل القرآن "التحكيم" طريقاً لمعالجة أخطر النزاعات الأسرية (الشقاق)، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، قبل أن تتفاقم الخصومة، وقبل أن تتحول إلى نزاع يستدعي تدخل السلطة العامة. كما قرر قاعدة عامة تصلح لكل نزاع بقوله سبحانه: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. وهذا يقود إلى حقيقة التحكيم وجوهره، فالخصوم لا يلجؤون إلى التحكيم إلا رغبة في مزاياه التي نرددها دائماً من السرعة والسرية والمرونة في الإجراءات وغيرها، فالشريك يريد أن يبقي علاقته جيدة مع شريكه ويحفظ ما بينهما من أسرار، والتاجر يريد أن يحافظ على عميله ولا ينفر الناس منه، والجار محتاج لحسن العلاقة مع جيرانه، والقريب يخشى من انقطاع العلاقات مع قرابته بسبب الإجراءات القضائية الصارمة وسوط العدل. ويضاف إلى ذلك أن التحكيم ظل محتفظاً بأهم خصائصه عبر العصور، وهي المرونة؛ فالأطراف يختارون من يحكم بينهم، ويحددون الزمان والمكان والإجراءات التي تناسب طبيعة نزاعهم، بعيداً عن القضاء الذي يلزم الخصوم بقواعده ولا يرضخ لرغباتهم، وهذه المرونة لم تكن أمراً مستحدثاً، وإنما كانت سبباً أصيلاً في استمرار التحكيم ونجاحه كوسيلة مثلى لفض المنازعات. ولا يمكن أن يستشف من هذه الرؤية التقليل من شأن القضاء، فالقضاء ركيزة من ركائز الدولة المدنية، وضمانة لحماية الحقوق وإعطاء كل ذي حق حقه، ومن حق كل شخص أن يلجأ للقضاء لطرح مظلمته، وطلب رفعها، وهو وإن كان الملاذ الآمن عندما تفشل الوسائل الطبيعية في إنهاء النزاع، لكنه ليس -بالضرورة- الخيار الأول الذي تبدأ به الخصومات. ومن هنا، فإنني أرى أن وصف التحكيم بأنه «وسيلة بديلة لحل المنازعات» يحتاج إلى إعادة نظر. فهو وصف صحيح إذا نظرنا إليه من زاوية اختصاص القضاء في الدولة المدنية، بل هو وسيلة أصيلة إذا نظرنا إلى تاريخ العدالة، أو إلى طبيعة الإنسان، أو إلى الفلسفة التي قامت عليها المجتمعات في إدارة خصوماتها، ويبقى القضاء الوسيلة النظامية التي أوجدتها الدولة عندما تعجز الوسائل الطبيعية عن إنهاء الخصومة